ولا بدَ أن يستجيب القدر ..(..!!..)..
بقلم : سامح عوده – فلسطين
الماضون عبر الأشواك ..
عبور هادئ على ضفاف كتاب…
" شعر المعتقلات في فلسطين 1967 م – 1993 م "
للدكتور .. " زاهر الجوهر حنني "
ثمة َ أشياءٌ تسحبكَ بعبيرها بعيداً، لتعيد ترتيب خارطة الوقت كما كانت، نقية، بهية، وذاتَ سطوع؛ الزنزانة، والقيدُ، والقضبان، والسجان، وصقيع الغرفة، والعزلُ، وكل ما أبدعته يد الظالمين لم تستطع أن تحجب نور الشمس من الدخول ولو للحظة..!! إلى عوالم الأسير الفلسطيني في زنزانته، كل الأطياف دخلت إليه، واجتاحته، فبقي هو الموج فوق الموج، النسر فوق الأرض، نجماً لا يطال، هو ذاك الإنسان المحفور في ذاكرته الوطن، والموشوم على جدار قلبه ذلك المصير الحتمي، كسر القيد، وعدم الاستسلام لإرادة أحد، مهما كانت سطوته، وجبروته .
شيء ما، يختزلُ عوالمك، يسحبكَ إلى فضاء فسيح، أبعد من زنزانة موصدة الأبواب، وليل بستائره المعتمة، لم يستطع أن يترك المشاهد سوداء، فتستسلم لإرادتها لتجعل عالمك أسود يبشرُ بالفناء، لذلك فقد استطاعت الأرواح أن تمضي بلا قيد، غير مباليةٍ، بتفاصيل الوقت، وقيود الزمن، والحدود، والجدران، استطاعت أن تمضي بثبات إلى كل الأمكنة، إلى الدروب الموغلة، إلى الوطن، إلى الأم، إلى الأزقة، إلى أرواح الشهداء، إلى كل شيء في الوطن، مائه، هوائه، ترابه، فتصوره كأن العين تراه، بكل ثبات وإرادة لا تقهر استطاعت أن تنتج ملحمة عشق في التحامها مع الحياة، لأنها رفضت كل مسوغات الفناء، فكانت كطائر العنقاء نهضت من تحت الرماد، فأعادت توجيه أشرعتها نحو ميناء الوطن، لتقدم نماذج نضالية، وأدباً مقاوماً يستحق الوقوف أمامه، يورثُ للأجيال.
كان لا بد من مقدمة رمزيه، تناسب موضوع كتاب أذهلني بكل تفاصيله وهو " " شعر المعتقلات في فلسطين 1967 م – 1993 م " للدكتور .. " زاهر الجوهر حنني " الذي صدر في العام 1997 على هيئة أطروحة ماجستير، ولم ينل الكتاب نصيباً في النشر إلا في العام 1999 حيث صدر عن بيت الشعر الفلسطيني بعد أن أخفق في النشر مدة عامين، والكتاب يقع في (350 ) صفحة من القطع المتوسط مقسم إلى بابين :
الباب الأول : وهو عن المضامين الشعرية ، مقسم إلى أربعة فصول، كل فصل عبارة عن دراسة متكاملة مرتبطة بالفصل السابق، والفصول هي : الغربة والوطن، بين الأم والحبيبة والوطن، القدرة على تخطي حواجز الزمان والمكان، مضامين شعرية أخرى .
الباب الثاني : دراسة فنية وهو أيضاً مقسم إلى ثلاثة فصول هي : في اللغة والأوزان، الرمز في شعر المعتقلات، الصور الشعرية، في كل فصل من الفصول مواضيع ذات علاقة، إضافة إلى مقدمة وتمهيد عرض من خلالهما للقارئ نبذة تاريخية عن شعر المعتقلات، وكيفية تطوره.
ويحتوي الكتاب في نهايته على قائمة المراجع والدوريات التي رجع إليها المؤلف في بحثه، أرى أن تلك المراجع تستحق القراءة كباقي أجزاء الكتاب الأخرى، اذ من الممكن أن تضيف للقارئ شيئا ربما يبحث عنه في توسيع معرفته وتنمية ثقافته .
ويتناول الكتاب في بداياته الأولى .. نبذة تاريخية عن معاناة الشعب الفلسطيني منذ قيام ما يسمى بدولة إسرائيل في العام 1948وحتى العام 1967 م، وكيف تعامل الصهاينة مع الفلسطينيين من تهجير، وقتل، وسلب للأرض ومصادرة للهوية الوطنية، واعتقال، وكيف حافظ الفلسطينيون على هويتهم الوطنية، فقد كان لا بد من صمود أسطوري، لمواجهة الذهنية الإسرائيلية الماكرة، الهادفة لتفريغ الأرض من سكانها الشرعيين، وطحنهم بين أنياب القوة العسكرية الناشئة الإسرائيلية المدعومة كل الدعم من أمريكا، فقد زج بالآلاف من الشباب الفلسطينيين في السجون، وقد مثلت الحركة الأسيرة الفلسطينية منذ لحظة الاعتقال الأولى البوصلة التي وجهت الحركة الوطنية فكرياً، وسياسياً، واستطاع المعتقلون الفلسطينيون أن يكتبوا عن ذاتهم وهمهم الوطني، فأنتجوا أدباً، وشعراً، وفنون أخرى بقيت شاهدةً عليهم حتى الآن، كما أن تلك الفنون الأدبية ومن ضمنها الشعر موضوع الكتاب وصلت إلينا بطرق مختلفة ساهم الكتاب في إيصال جزء يسير منها، ولأن وسائل النشر لم تكن كما هي اليوم لذلك فقد ضاعت كثير من النصوص الأدبية والشعرية بسب الإجراءات الصهيونية التي كانت تعد أي حرف يكتبه المعتقلُ داخل زنزانته قنبلة فكرية من الممكن أن تشكلُ خطراً على الاحتلال، لذا فقد سعى الاحتلال لمحاربة قصاصات الورق التي كان المعتقلون يخطون عليها هواجسهم .
ويوثق الكتاب أيضاً للحركة الفكرية في المعتقلات الصهيونية، بحيث يتطرق إليها بشكل مقتضب على الرغم من أنها تحتاج إلى بحث منفصل، ويعرض لتبلور الحركة الشعرية في فلسطين بعد العام 1967 م، فخلال أكثر من ثلاثين عاماً ناضل المعتقلون الفلسطينيون بكل الوسائل كي يدخل القلم والكتاب والدفتر إلى المعتقل، لذلك فقد عملت إدارة المعتقلات ضد أي عمل ثقا
المزيد