هل رأيت موت ظلي ..(..!!..)..
بقلم سامح عوده – فلسطين
غريب عسقلاني بين غربة الروح واغتراب الجسد
أسئلةٌ ما زالت فينا.. ما زالت تلهب الذاكرة، تعرفنا بذاتنا الأخرى الساكنة فينا وإن ابتعدت، فمهما حاولنا إخفاءها, تستيقظ كلما وضعتنا الذكريات أمام مرآة الذات، غريب عسقلاني كما عرفته روائياً وكاتباً كبيراً، قدم أعمالا عدة نال جزءاً منها النشر الورقي وقائمة طويلة تنظر أن يأتيها الدور، وكعادته في كل جديد يفاجئنا بنمط حداثي لم نعتده من قبل..!! وهذا واضح من خلال القائمة الطوية من الأعمال التي نشرت عبر الشبكة العكبوتيه .
في عمله الأخير, " هل رأيت موت ظلي " أظنه جاء بالجديد في كل ما يحتويه هذا العمل من جماليات، وقد كان لي الشرف أن أقرأ جزءاً من هذا العمل قبل نشره الكترونياً..!! الأمر الذي زاد شغفي به..!! فسعيتُ جاهداً لأن أكون متابعاً كل ما ينشر منه، وقد استمعتُ لآراء العديدين ممن تابعوه، إلا أن العمل كما يذكر العسقلاني يبقى ناقصاً إذا لم يخرج في هيئته النهائية مطبوعاً على الورق .
يعد العمل متقدماً، في نمطه وشكله.. ففيه زمهرير كافٍ ليجمد الكون، كون العسقلاني كتب عن ذات جريحة عاشت لحظة اللجوء الأول, وهي ترزح الآن تحت الحصار الظالم المفروض على شعبنا الفلسطيني في جميع المناطق، وبهذا كتب العسقلاني بمداد صارخ عن غربة الروح التي اقتلعت من أرضها عنوةً، وكتب عن جسده المأسور في قطاع غزة ، كما حاول تلخيص الذات الأخرى التي غادرت بلاد الرافدين عنوة وعاشت مثله غربة الروح والجسد، بعيدةً عن ماء دجلة والفرات .
شكل هذا العمل الأدبي نموذجاً فريداً في لغته التي اكتست حلةً بهية من الألوان كقوس قزح في مساءٍ ربيعي, فقد اعتمد الكاتب لغة شعرية تتناسب وجو النص، غريب الغريب عن بلده عسقلان التي تسكن قلب البحر، يراها من بعيد " في غزة " المحاصرة التي يسكنها كطيف جميل, يهبط من السماء في هيئة ملاك رباني نزل إلى الأرض، " هل رأيت موت ظلي " ظل الروح المتعطشة للشغب في فضاءات الأدب. وهذا العمل بكل تفاصيله يجمع بين الرواية والقصة والمسرحية، أخذ منها ألوانا ليمزجها في لون واحد، وترك للقارئ أن يحدد بوصلته في تعريف هذا النص ..
فيمكن أن تسميها رواية ..
أو حوارية مسرحية ..
أو مجموعة من القصص يكمل بعضها بعضا ..
براعة الكاتب وخبرته الأدبية لأكثر من أربعين عاماً كاتباً، وقاصاً، وروائياً جعلته يطوع اللغة وقواعد الكتابة الإبداعية ليخرج بهذا العمل الفريد من نوعه, في كل ما يحتوي من العنوان والشكل والمضمون، وبهذا فقد عمد إلى أسلوب السهل الممتنع في كتابته الأدبية، والكاتب الذي قدم للمكتبة العربية عشرات المؤلفات، خلال مسيرته الأدبية، وخلال حياته العملية كروائي بارز, عمد إلى الاهتمام بأنماط الحداثة في كتابته، يجمع النقاد على أن غريب عسقلاني يصعد سلم الحداثة فيما يكتبه مستعيناً على ذلك بتراثه الأدبي، في الخروج عن النمط التقليدي في الكتابة، لجذب القارئ إلى ولائمه الأدبية .
" هل رأيت موت ظلي " عمل متميز في هدفه ومضمونه وفي لغته التي تميل إلى الشعرية في بعض الأحيان، نعم .. في مقاطع من هذا العمل تجدك أمام مقاطع شعرية تخدم هدف النص العام .. " هل رأيت موت ظلي " يقسم إلى خمس عشرة قطعة أدبية كل قطعة تصل في معدلها إلى ثلاث صفحات من القطع الكبير وهي بهذا الترتيب :
( 1 ) همس الصمت :
بدأ بهذا الجزء مباشرة مبتعداً عن المقدمات، كي يتجنب أشكال الإنشاء الممل، والحشو الذي يفقد العمل الأدبي بريقه المعهود، وهو يدخل في سرديته مباشرة " .. وبعد أن غضب ملك الماء أشفقت عليَّ جنية الماء.. أنشبت أظافرها في صدري حتى بق الدم منه " ..
كما أن هذا القسم من العمل بدى الكاتب كمن يسردُ قصة من زمن قديم، أو من عوالم خيالة، يتحدث فيه عن الفقد، عن ذلك المخلوق الذي يلازمه كظل له ، وعن النقاط الفاصلة بينه وبين من يحب ، يستحضرُ أميرة تطوف مجالات بعيدة عنه " وتهطل الغيمة نساء راغبات.. كلهن يشبهن أميرة الماء.. فبرق في صدري وجه امرأة بعيدة تاهت مني في لحظة بين الوجد والرجس "
يربط ذلك بالغياب .. مستعيناً باللغة كي تفسر مشاهد النص، فيذكر حموضة الغياب ، الذي حول الذكرى الجميلة إلى مذاق حامض .
وهذا ما أراده الكاتب إذ جلس على شرفات الانتظار.. ينتظر عله يأتيه بخبر يقين.
(2 ) جاء في الأثر ..
في هذا الجزء من النص يتقمص الكاتب دور الراوي في الروايات القديمة، على غرار ألف ليلة وليلة ، " .. قد جاء في الأثر, أنه في الليلة الثانية بعد الألف, أودعت شهرزاد حكاياتها في صندوق الزمرد وألقت بها في ماء الفرات.. وتزينت بأبهى زينة, وتطيبت بأغلى طيب, وأمرت بإعداد فراش من ريش النعام على سطح بركة الزئبق, حتى إذا كان منتصف الليل, رأت وجه الملك مطبوعا على سطح القمر, فاطمأنت للرؤيا.. "
ويسعى بأسلوبه الأدبي الخاص للدخول إلى عالم سحري، حيث يسحر ذاته في هيئة أمير يلتقي بالأميرة، ليأتي طائر الرخ يحتضنهما ويلقي بهما في صحراء بعيدة فيتوهان " وطار مسافات وقطع مفازاتِ, وهبط في بيداء أخرى ترك الأميرة فيها وطار, وصارت المسافة بينهما صارت مرجومة بالغربة والعطش.. "
لذلك تراه يعاود الحلم لعله يلتقي بها في عسقلان مسقط رأسه التي أبعد عنها قسراً وصار لاجئا، بينما هي تحلم بلقائه من جديد في بلاد الرافدين التي هاجرت منها بعد أن سكنها البوم ..!!
وهنا تأتي مخيلة الكاتب الإبداعية في ربط واقع الحصار الفلسطيني بواقع العراق الحزين الذي يرزح تحت الاحتلال، والصراعات الداخلية.
في مجمل الأجزاء من النص استخدم الكاتب التراث التاريخي بهدف الإسقاط السياسي للعمل، وفي هذا الجزء شبه تيهه عن حبيبته كتيه اليهود في صحراء سيناء، مع ما بينهما من افتراق.
( 3 ) ثقب في الذاكرة ..
في هذه القطعة الأدبية يتناول الكاتب هجرة النخب الفكرية والعلمية من العراق هروباً من الواقع المتأزم، والموت العبثي، وكأنه هروب من موت الجسد في الوطن إلى موت الروح خ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ